عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي

274

اللباب في علوم الكتاب

وهذه الهاء هل هي أصل بنفسها ، فيكون فيه لغتان ، ووزنه على هذا فاعول ليس إلّا ، أو بدل من التّاء ؛ لأنها قريبة منها لاجتماعهما في الهمس ، أو إجراء لها مجرى تاء التّأنيث ؟ قال الزّمخشريّ : « فإن قلت : ما وزن التابوت ؟ قلت : لا يخلو أن يكون فعلوتا ، أو فاعولا ، فلا يكون فاعولا لقلته نحو سلس وقلق » يعني : في الأوزان العربيّة ، ولا يجوز ترك المعروف [ إليه ] فهو إذا فعلوت من التّوب وهو الرّجوع ؛ لأنّه ظرف تودع فيه الأشياء ، فيرجع إليه كلّ وقت . وأمّا من قرأ بالهاء فهو فاعول عنده ، إلّا من يجعل هاءه بدلا من التّاء لاجتماعهما في الهمس ، ولأنّهما من حروف الزّيادة ، ولذلك أبدلت من تاء التّأنيث . قوله : « فيه سكينة » يجوز أن يكون « فيه » وحده حالا من التّابوت ، فيتعلّق بمحذوف ، ويرتفع « سكينة » بالفاعليّة ، والعامل فيه الاستقرار ، والحال هنا من قبيل المفردات ، ويجوز أن يكون « فيه » خبرا مقدّما ، و « سكينة » مبتدأ مؤخرا ، والجملة في محلّ نصب على الحال ، والحال هنا من قبيل الجمل ، و « سكينة » فعيلة من السكون ، وهو الوقار . أي هو سبب سكون قلوبكم ، فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت ، ونظيره فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ [ التوبة : 40 ] قيل : كان التّابوت سبب سكون قلوبهم ، فأينما كانوا سكنوا إليه ، ولم يفرّوا عن التّابوت ، إذا كان معهم في الحرب . وقرأ أبو السّمّال بتشديد الكاف ، قال الزّمخشريّ : « وهو غريب » . قوله : « من ربّكم » يجوز أن يتعلّق بمحذوف على أنّه صفة ل « سكينة » ، ومحلّه الرّفع . ويجوز أن يتعلّق بما تعلّق به « فيه » من الاستقرار . و « من » يجوز أن تكون لابتداء الغاية ، وأن تكون للتبعيض . وثمّ مضاف محذوف ، أي : من سكينات ربكم . فصل [ في أنّ مجيء التّابوت لا بدّ وأن يكون على وجه خارق للعادة ] اعلم أنّ مجيء التّابوت لا بدّ وأن يكون على وجه خارق للعادة ؛ حتّى يصح كونه آية من عند اللّه دالّة على صدق تلك الدّعوة ، وذلك يحتمل وجهين : أحدهما : أن يكون المعجز نفس التّابوت . قال أصحاب الأخبار : إنّ اللّه تعالى ، أنزل على آدم تابوتا فيه صور الأنبياء من أولاده ، وكان من عود من الشمشار نحوا من ثلاثة أذرع في ذراعين ، فكان عند آدم إلى أن مات فتوارثه أولاده إلى أن وصل إلى يعقوب ، ثم بقي في أيدي بني إسرائيل إلى أن وصل إلى موسى - عليه الصّلاة والسّلام - ، فكان موسى يضع فيه التوراة ومتاعا من متاعه ، وكان عنده إلى أن مات ، ثمّ تداولته أنبياء بني إسرائيل ، وكانوا إذا اختلفوا في شيء تكلّم ، وحكم بينهم ، وإذا حضروا القتال قدّموه بين أيديهم ، ليستفتحوا على عدوّهم ، وكانت الملائكة تحمله فوق العسكر ، ثمّ يقاتلون العدوّ ، فإذا سمعوا من